الجاحظ

250

المحاسن والأضداد

وحراستهن ، فليس شيء لهن أصلح من مباعدتهن عن الرجال ، وقمعهن بالعري والجوع ، ومن حق الملوك أن لا يرفع أحد من خاصتها وبطانتها ، رأسه إلى حرمة لها ، صغرت أم كبرت ، فكم من قيل وطئ هامة عظيم ، وبطنه حتى بدت أمعاؤه ؟ وكم من شريف وعزيز قوم ، قد مزقته السباع ونهشته ؟ وكم من جارية كريمة على قومها عزيزة في أهلها ، وقد أكلها حيتان البحر وطير الماء ؟ وكم من جمجمة كانت تصان ، وتعل بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء ، وغيبت جثتها في الثرى ، بسبب الرم والخدم والغلمان ، ولم يأت الشيطان أحدا قط من باب حتى يراه بحيث أن من يهوى مستقيم اللحم والأعضاء ، هو أبلغ من مكيدته ، وأخرى أن يرى فيه أمنية من هذا الباب إذ كان من ألطف مكايده ، وأدق وساوسه ، وأجل تزايينه . وقيل لابنة الخس « 1 » : لم زنيت بعبدك ولم تزن بحر ؟ قالت : طول السهاد وقرب الوساد . وقيل : لو أن أقبح الناس وجها ، وأنتنهم رائحة ، وأظهرهم فقرا ، وأسقطهم نفسا ، وأوضعهم حسبا قال لامرأة تمكن من كلامها ، ومكنته من سمعها : واللّه يا مولاتي قد اسهرت ليلي ، وأرقت عيني ، وشغلتني عن مهم أمري ، فما أعقل أهلا ولا ولدا ، ولو كانت أبرع الناس جمالا ، وأكملهم كمالا ، واملحهم ملاحة ، وإن كانت عينه تدمع بذلك ، ثم كانت تكون مثل أم الدرداء ، أو معاذة العدوية ، أو رابعة القيسية لمالت إليه وأحبته . ومنها قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : اضربوهن بالعري ، فإن النساء يخرجن إلى الأعراس ، ويقمن في المناحات ، ويظهرن في الأعياد ، ومتى كثر خروجهن لم يعد بد أن يرين من هو شكلهن ، ولو كان بعلهن أتم حسنا ، وأحسن وجها ، والذي رأت أنقص حسنا ، ولكان ما لا تملكه أظرف عندها مما تملكه ، ولكان ما لم تملكه أو تستكثر منه أشد لها اشتغالا واجتذابا . قال الشاعر :

--> ( 1 ) هي هند بنت الخس بن حابس بن قريظ الأيادية ، فصيحة عربية جاهلية ، كانت ترد سوق عكاظ . ورد ذكرها في أماكن عدة من كتب الجاحظ .